الشيخ محمد رشيد رضا
155
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
« ليس البر أن تصوموا في السفر عليكم برخصة اللّه التي رخص لكم » فكان قوله صلّى اللّه عليه وسلّم ذلك لمن كان في مثل ذلك الحال . وقال ابن دقيق الميد أخذ من هذه القصة ان كراهة الصوم في السفر مختصة بمن هو في مثل هذه الحالة ممن يجهده الصوم وبشق عليه أو يؤدي به إلى ترك ما هو أولى به من الصوم من وجوه القرب فينزل قوله « ليس من البر الصوم في السفر » على مثل هذه الحالة ، قال والمانعون في السفر يقولون إن اللفظ عام والعبرة بعمومه لا بخصوص السبب . قال وينبغي أن يتنبه للفرق بين دلالة السبب والسياق والقرائن على تخصيص العام وعلى مراد المتكلم وبين مجرد ورود العام على سبب فان بين العامين فرقا واضحا ومن أجراهما مجرى واحدا لم يصب ، فان مجرد ورود العام على سبب لا يقتضي التخصيص به كنزول آية السرقة في قصة سرقة رداء صفوان . وأما السياق والقرائن الدالة على مراد المتكلم فهي المرشدة لبيان المجملات وتعيين المحتملات كما في حديث الباب . وقال ابن المنير في الحاشية : هذه القصة تشعر بأن من اتفق له مثل ما اتفق لذلك الرجل انه يساويه في الحكم ، وأما من سلم من ذلك ونحوه فهو في جواز الصوم على أصله واللّه أعلم . وحمل الشافعي نفي البر المذكور في الحديث على من أبى قبول الرخصة فقال معنى قوله ليس من البر أن يبلغ رجل هذا بنفسه في فريضة صوم ولا نافلة وقد أرخص اللّه تعالى له أن يفطر وهو صحيح ، قال ويحتمل أن يكون معناه ليس من البر المفروض الذي من خالفه أثم ، وجزم ابن خزيمة وغيره بالمعنى الأول ، وقال الطحاوي المراد بالبر هنا البر الكامل الذي هو أعلى مراتب البر وليس المراد به اخراج الصوم في السفر عن أن يكون برا لان الافطار قد يكون أبر من الصوم إذا كان للتقوي على لقاء العدو مثلا قال وهو نظير قوله صلّى اللّه عليه وسلّم « ليس المسكين بالطوّاف » الحديث ، فإنه لم يرد إخراجه من أسباب المسكنة كلها وانما أراد أن المسكين الكامل المسكنة الذي لا يجد غنى يغنيه ويستحي أن يسأل ولا يفطن له وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ هذا هو القسم الثاني من المستثنى وهو من لا يستطيع الصوم إلا بمشقة شديدة ، اي وعلى الذين يشق عليهم